محمد بن جرير الطبري
329
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا ( 142 ) } قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى قبل على معنى " خداع المنافق ربه " ، ووجه " خداع الله إياهم " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، مع اختلاف المختلفين في ذلك . ( 1 ) * * * فتأويل ذلك : إنّ المنافقين يخادعون الله ، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم ، والله خادعهم بما حكَم فيهم من منع دِمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان ، مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفرَ ، استدراجًا منه لهم في الدنيا ، حتى يلقوه في الآخرة ، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نارَ جهنم ، كما : - 10721 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " ، قال : يعطيهم يوم القيامة نورًا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا ، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه ، فيقومون في ظلمتهم ، ويُضرب بينهم بالسُّور . 10722 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : " إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " ، قال : نزلت في عبد الله بن أبيّ ، وأبي عامر بن النعمان ، ( 2 ) وفي المنافقين = " يخادعون الله وهو خادعهم " ، قال : مثل قوله في " البقرة " : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ
--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 272 - 277 ، ثم : 301 - 306 ، تضمينًا . ( 2 ) " أبو عامر بن النعمان " ، هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة ، وأظنه قد أسقط الناسخ من اسمه ما أنا مثبته ، فإن المذكور مع عبد الله بن أبي بن سلول في المنافقين هو : " أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان ، أحد بني ضبيعة بن زيد ، وهو الذي يقال له " أبو عامر الراهب " ، وهو أبو " حنظلة الغسيل " يوم أحد . وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، وكان في قومه من الأوس شريفًا مطاعًا . فلما جاء الله بالإسلام ، أبى إلا الكفر والفراق لقومه الأوس ، فخرج مفارقًا للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله : " لا تقولوا : الراهب ، ولكن قولوا : الفاسق " . انظر سيرة ابن هشام 2 : 234 ، 235 . هذا ، ولم أجد أحدًا غيره في المنافقين أو غيرهم يقال له : " أبو عامر بن النعمان " ، فثبت عندي أن ما قلته هو الصواب .